عبد الملك الجويني
59
الشامل في أصول الدين
يعبر به عن انتفاء القدرة ، ولو ساغ ذلك ، لساغ طرده في جملة المعاني حتى يقال : السكون يعبر به عن نفي الحركة ، والقدرة يعبر بها عن نفي العجز ، وعلى هذا الوجه نفي الموت والشك والألم في قول مع إثبات اللذة ، واللذة في قول مع إثبات الألم ، على ما سيأتي شرح ذلك في تفاصيل المسائل . ومما نفاه الإدراكات ، فإنه زعم أن المدرك هو الحي الذي لا آفة به ، فصرف الإدراكات إلى نفي الآفات ، ولم يستطع فصلا بين قوله في الإدراكات ، وبين قول من يقول : إن العالم هو الحي الذي لا آفة به . فهذه نواقض تعترض على طرد الأدلة . ومما يعم معظم قولهم : إن المعدوم شيء وذات ، ثم يتصف بالوجود بعد أن لم يكن متصفا به ، ويزول عنه وصف الوجود فيعود إلى ما كان عليه قبلا ، ثم لا يثبت لتجدد هذا الحكم عرض ، وقد ذكرنا ذلك في مسألة المعدوم ، وهو الذي لا محيص لهم عنه . ومما يعمهم لزومه ويصدهم عن إثبات المعاني ، أنهم أثبتوا الرب عالم بلا علم ، وجعلوا كونه عالما من صفات النفس ، وكل ما كان صفة للنفس ، لزم طرد القول فيه . واستقصاء القول في ذلك يتعلق بالصفات وبابه إن شاء اللّه عز وجل . ومما يمنع أبا هاشم من إثبات الأعراض أنه يجوّز علما لا معلوم له ، فإذا قال في طرد الدلالة : علمنا الجوهر متحركا ثم علمناه ساكنا كان للخصم أن يقول : ما يؤمنك أنك علمت ولا معلوم لك . وإنما الغرض إثبات المعلوم . ويصعب موقع هذا عليه ، إذا أوردته من وجه آخر فقلت : الكون عندك يوجب حالا للجوهر الذي قام به ، والحال يختلط بها أولا ثم يطلب له موجب ، إذ سبيل الدليل عليه إنما يحيط بالمتحرك والساكن . ثم نقول : لا بد لثبوت هذين الحكمين من مقتض ، وأنّى يستقيم ذلك على أصل أبي هاشم ، ومن مذهبه أن الحال ليس بمعلوم ، فما لم يكن معلوما كيف يطلب موجبه ، إذ طلب الموجب يتفرع عن العلم بالموجب ؟ فإذا اعترف بأن الحال لا يعلم ، فما لم يعلمه كيف علم موجبه ؟ وهذا لا محيص عنه . ومما يمنعهم عن سرد الدلالة المقدمة أن من أركانها امتناع صفة تثبت لا للنفس ولا لمعنى ولا لمقتضى ، وقد صرحوا بذلك في جمل من الصفات فقالوا : كون اللون لونا مما يثبت لا للنفس ولا لمعنى ، وإنما حملهم على ذلك أنهم لو جعلوه صفة نفس ، للزمهم الحكم بأن المجتمعين فيه مثلان ، فإن الاجتماع في صفة النفس يوجب التماثل على قضية أصلهم . وطرق النواقض عليهم شتى وقد قدمنا غنية .